حسن الأمين

17

مستدركات أعيان الشيعة

المصري ، مؤلف « بدائع الزهور في وقائع الدهور » ، وقد عني بتسجيل بعض النبذ عن القرصنة البرتغالية وتصدى المصريين لها في البحر الأحمر والمحيط الهندي . 5 - وقبل أن تتلاشى أصداء الأحداث التي وقعت في المحيط الهندي نتيجة لقرصنة البرتغاليين ، جاء رعيل آخر من مؤرخي جنوب الجزيرة العربية ، بحيث يمكننا اعتبارهم من معاصري تلك الأحداث ، مثل بافقيه الشحري ، وعبد الله بن محمد سنجله ، ومؤلف النور السافر ، ومؤلف السنا الباهر ، ومؤلف روح الروح ، وغيرهم كثيرون ( 1 ) 6 - وفي الهند كتب عبد الله بن محمد الأوغخاني Ulughkhani تاريخا لكجرات ، احتوى على معلومات قيمة وموثوقة عن جنوب الجزيرة العربية ( 2 ) وجميع هؤلاء المؤرخين من معاصري أحمد بن ماجد ، أو ممن جاؤوا على آثارهم ، في الجزيرة العربية وخارجها ، لا يذكر أي واحد منهم أية صلة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين ، بل لا يكاد اسمه يجري على لسان أحدهم . 7 - و « في عام 1554 م جهز العثمانيون حملة بحرية في السويس ، بقيادة سيدي علي كاتب رومي الملقب بالحلبي ( نسبة إلى حلب ) لاسترداد قطع الأسطول المصري التي أوت إلى البصرة بعد معركة مع البرتغال في الخليج الفارسي ، وتمكن سيد علي بالفعل من الوصول بتسع سفن منها ( وكان عددها 15 سفينة ) إلى ديوو سورت بالهند ، بعد أن شتت عاصفة أسطوله واضطر لالقاء مدافعه في البحر لتخفيف حمولة المراكب . وقد اشترى أمير سورت بالهند هذه السفن ، وتم تسريح بحارتها ، وآثر سيد علي البقاء بعض الوقت بالمنطقة ، قبل أن يعود إلى تركيا برا ، عن طريق الهند وخراسان في عام 1557 م . وخلال هذه المدة أتم سيد علي الجانب الأكبر من كتابه » محيط « بالتركية ، وقد ضمنه مقالات بعضها من مؤلفات ابن ماجد ، وسليمان المهري ( 3 ) ، عثر عليها أثناء إقامته بالهند والخليج وقد أشار سيد علي في مقدمة كتابه بأنه اعتمد في تاليفه على محادثات مثمرة مع المعالمة المهرة الذين التقى بهم في الخليج ، وعلى خمسة مصنفات عربية ، اثنان منها لابن ماجد ، وثلاثة لسليمان المهري « . وربما كان من المستحسن أن نستمع إلى سيد علي نفسه ، يحدثنا عن بعض انطباعاته وتجاربه في الخليج والمحيط الهندي أبان تلك الفترة . قال : « في عام 1554 م أقمت خمسة أشهر في مدينة البصرة ، حتى بدأت الرياح الموسمية ، ثم أقلعت إلى الهند . وقد دامت رحلتي هذه ثلاثة أشهر ، تبتدئ من أول شهر شعبان ، وتنتهي في سلخ شوال ، أي من 2 تموز - 27 أيلول 1554 م . وكنت خلال هذه الأشهر الثمانية أثناء إقامتي ورحلتي لا أدع فرصة تمر دون أن أشغل نفسي في الحديث بأمور الملاحة مع نوتية السواحل ، أو ملاحي مختلف البلدان ، ممن كانوا على ظهر سفينتي ، وبذلك علمت كيف عبر الربابنة الأقدمون هرمز وهندستان ، أمثال : ( الليث بن كهلان ، ومحمد بن شادان ، وسهيل بن أبان ) . وكذلك جمعت الكتب التي ألفها البحارة المحدثون ، أمثال : ( أحمد بن ماجد ) من جلفار من مقاطعة عمان ، و ( سليمان بن أحمد المهري ) من الشحر من عرب الجنوب . كما جمعت الكتب المعروفة ب » الفوائد والحاوية « لأحمد بن ماجد ، و » تحفة العقول والمنهاج وقلادة الشموس « لسليمان المهري ، وتعمقت في دراستها كلها ، إذ الملاحة في المحيط الهندي بدون هذه الكتب [ جد ] جدا متعذرة ، فالربابنة والقواد الغرباء لا يعرفون سبيل هذا البحر ، ولا بد لهم من ربان يدلهم على الطريق ، ما دامت تنقصهم المعلومات الضرورية ، ولذا وجدت من اللازم اللازب قراءة أفضل المؤلفات ، ونقلها إلى اللغة التركية في كتاب يكون دليلا للربابنة الذين تهمهم معرفة مثل هذه الأمور . . . وترجمتي لهذه الأسفار العربية انتهت بمعونة الملك القدير جل شانه ، وقد حوى كتابي هذا أشياء غريبة كثيرة تتعلق بالملاحة ، وسميته » المحيط « ( 4 ) . . . « . وقد خص سيد علي ، أحمد بن ماجد بالمديح والإطراء ، وقال عنه أنه » الباحث عن الحقيقة بين البحارين . . . « وأنه » أفضل ربابنة الشاطيء الهندي الغربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مقدرة ونزاهة « ( 5 ) وكان في استطاعة سيد علي أن يضيف على هذا المديح لأحمد بن ماجد ، الجملة التالية ، أو ما يماثلها : « وهو الذي قاد البرتغاليين ، أو قاد فاسكو دي گاما ، إلى الهند » . ولكن هذه الأسطورة لم تكن قد برزت إلى الوجود بعد ، ولذلك فان سيد علي ، لا يعزو في كتابه أية صلة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين . 8 - عاصر ابن ماجد ربان آخر من جنوب الجزيرة العربية ، هو سليمان المهري ( توفي سنة 961 ه‍ / 2 ) . وقد ترك لنا عددا من المؤلفات العلمية عن البحر ، وصلنا خمسة منها ، ليس فيها أي ذكر لأحمد بن ماجد على الإطلاق . فما السر في تأمر كل هؤلاء المؤرخين ، عربا كانوا أو أتراكا أو برتغاليين ، على عدم الإشارة إلى تلك الصلة المزعومة لأحمد بن ماجد بالبرتغاليين ؟ 9 - وأحمد بن ماجد نفسه ؟ إننا لا نجد في جميع ما وصل إلينا من مؤلفاته ، أية إشارة لاتصاله بالبرتغاليين ، حتى ولا مجرد ذكر للقاء عابر بأحدهم في إحدى الموانئ التي كان يتردد عليها في شرق إفريقية والخليج والهند . ولكننا على النقيض من ذلك نحس شدة حنقه عليهم ، وغيظه منهم ، كلما مر ذكرهم على لسانه ، كقوله : وساحل البر وكل جزره فحكمها للبرتغال الفجرة والبرتغالي حكم الجميعا كفيت كل الشر والتصديعا وجا لكاليكوت خذ ذي الفائدة لعام تسعمائة وست زائدة وباع فيها واشترى وحكما والسامري برطله وظلما

--> ( 1 ) انظر الحاشية السابقة . ( 2 ) . 39 . R . B . Serjeant , The portuguese off the South Arbian Coast , p ( 3 ) يقول حسن الأمين : عرف عن المعلم سليمان المهري أنه ربان ماهر ومؤلف صرف علمه لفنه دون الخروج منه إلى مجال آخر ، وهو ينتمي إلى قبيلة مهرة التي تمتد مساكنها على طول الساحل الجنوبي للجزيرة العربية حتى عمان . ولم يتضح متى ولد سليمان بن أحمد المهري . ويعتقد أمير البحر سيد علي أنه لم يكن في عداد الأحياء سنة 961 ه‍ ( 1554 م ) . والمهري أتم كتابه العمدة المهرية سنة 917 ه‍ ( 1510 م ) فيكون قد عاش بعد تاليفه لكتابه هذا أربعا وأربعين سنة . ومن الجائز أن يكون قد عاش قبل تاليفه لهذا الكتاب أربعين سنة . وعلى هذا الافتراض يكون ميلاده سنة 877 ه‍ ( 1471 م ) . ( 4 ) محمود ياسين الحموي ، أحمد بن ماجد الملاح العربي » ، ص 13 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 3 .